كلمة التحرير


تشكل الترجمة أحد الركائز الأساسية لكل مشرع تنموي وحضاري عبر ما تتيحه من فرص للتعرف على ما يحمله الآخر ويطرحه من أفكار وقضايا، وتمتد أهمية الترجمة الى أبعاد عميقة وواسعة في حياتنا اليومية، حيث لم تعد مجرد وسيلة للتواصل العالمي بل ركيزة مهمة للدول في بناء علاقات تفاعلية لتحقيق التطورات على كافة الأصعدة السياسية والعلمية والاجتماعية. وقد مرت الترجمة في العالم العربي بمراحل تاريخية مهمة من مرحلة الانطلاقة والازدهار، التي استمرت ما يقارب 400 عام، اتسمت بدقة التنظيم ووضوح الأهداف ونتج عنها الإسهام في إشعاع الثقافة العربية والإسلامية وبناء جسور متينة بين المجتمعات في ذلك الوقت دخلت بعدها الترجمة في مرحلة سبات عميق بعد سقوط بيت الحكمة والبيوت الأخرى في أرجاء العالم العربي والإسلامي حتى غدت مهنة الترجمة مهملة ومهمشة في العالم العربي وأصبح عدد الكتب المنقولة إلى العربية مثارًا للتهكم والسخرية ومضربًا للمثل في التقاعس وعدم الوعي.
و منذ عقدين من الزمن بدأ في العالم العربي حراك ووعي بأهمية الترجمة ودورها المحوري في التواصل والتفاعل الحضاري نتج عنه عدد من المشاريع المهمة في معظم أقطار العالم العربي من ضمنها المملكة العربية السعودية، التي أبرزت اهتمامها بالحراك الترجمي من خلال تأسيس جائزة رائدة في مجال الترجمة تحمل اسم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وتهدف إلى تقوية التواصل الفكري ودعم الحوار بين الثقافات، الذي يعتبر أحد الاهتمامات والمشاريع الأساسية التي تؤمن بها رؤية المملكة العربية السعودية، وتجلى هذا الاهتمام حديثا في أجمل صوره مع حرص قيادة المملكة العربية السعودية على تفعيل دور المترجمين في قطاعات حيوية مهمة لمستقبل المملكة العربية السعودية وتعزيز مكانتها العالمية متمثلة في قطاعي الثقافة والسياحة.
وحيث أن قطاع الترجمة عانى لسنوات طويلة من النقص الفادح في عدد المترجمين المتفرغين والمؤهلين الذين يتقنون مهنة الترجمة وتسرب خريجي اللغات والترجمة الى مهن أخرى لأسباب كثيرة منها عدم وجود عوامل جذب مهنية أو مادية والنظرة الاجتماعية القاصرة تجاه عملية الترجمة ودور المترجم والاهم من ذلك غياب مظلة رسمية تنظم مهنة الترجمة وتكون منصة ومرجعية شرعية للمترجمين تسن واجباتهم وتحفظ حقوقهم. وفي خضم الانفتاح الثوري والرائد الذي تشهده المملكة العربية، نحن بحاجة ماسة إلى استيعاب وتوطين الانفجار المعرفي المتعاظم لكي يصبح جزءاً من البنية العلمية لدينا، وبالتالي يمكننا السير إلى دروب الإنتاج العلمي وأن نكون أداة فاعلة للاحاطة بالمستجدات في مختلف مجالات المعرفة، ومسايرة التقدم. ولأن الترجمة أصبحت بمثابة الضرورة، وأحد معايير التقدم الحضاري ولم تعد مجرد رفاهية ثقافية أو ترف علمي غير مبرر، دعت الحاجة الى انشاء جمعية مهنية للمترجمين واللغويين ذات خطة إستراتيجية شاملة يكون من أولوياتها وضع قواعد تنظيمية لمهنة الترجمة في المملكة العربية السعودية، وسن القوانين التي تحمي المترجم السعودي، ووضع القواعد الأخلاقية لمهنة الترجمة، ورعاية المترجمين، والتنسيق بين جهودهم، ودعم المؤسسات والهيئات المعنية بشؤون الترجمة، والتنسيق مع الجهات المعنية، ووضع برامج تطويرية لتكون المواد المترجمة ذات بُعد وطني، ووفق احتياجات المجتمع السعودي وما يتوافق مع رؤية 2030.

جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز النسخ او النقل دون اذن كتابى مسبق